المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غاليليو وتأسيس العلم الحديث


cartinoi
10-02-2008, 11:49 AM
بقلم : هاشم صالح

صدرت في السنوات الأخيرة عدة كتب عن "غاليليو" في المكتبة الفرنسية من بينها هذا الكتاب الذي ينتمي إلى السلسلة الشهيرة باسم "ماذا أعرف؟"، أو "زدني علماً" كما نقول بالعربية. وقد قدمت حتى الآن آلاف الكتب عن مختلف الموضوعات والشخصيات العلمية والفلسفية وسواها. وهي السلسلة الصادرة عن المطبوعات الجامعية الفرنسية. ومؤلف الكتاب هو الباحث جورج مينوا، أستاذ علم التاريخ في إحدى الجامعات الفرنسية. وكان قد أصدر منذ بضع سنوات عدّة كتب مهمّة عن تاريخ العلاقات الصراعية بين الكنيسة المسيحيّة والعلم منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم. وأصبحت هذه الكتب مراجع للباحثين والطلاب. وقد ترجم الكتاب من قبل رابطة العقلانيين العرب مؤخرا.

وفي كتابه الأخير هذا يقول الباحث بأن غاليليو يعتبر شخصية مركزية في تاريخ الثقافة الأوروبية. ومهما قلنا عنه فلا يمكن أن نبالغ في أهميته. والحقيقة أنه يقع على مفترق طرق لعدة علوم: كعلم الفيزياء والرياضيات، والفلسفة، وعلم اللاهوت، وعلم التفسير (أي تفسير النصوص الدينية). في الواقع إنه رجل علم بالمعنى الفيزيائي الطبيعي المحض للكلمة قبل كل شيء. ولكن بما أنه كان يعيش في عصر يتميز بوحدة المعرفة التي تقتضي توافق عميق بين كافة المجالات وذلك تحت المراقبة اليقظة للكنيسة الكاثوليكية، فإنّ بحوثه الفيزيائية والفلكية انعكست بالضرورة على الفلسفة وعلم اللاهوت. ففي ذلك الوقت لم يكن هناك أيّ فصل بين العلوم الدينية، والعلوم الدنيوية كما هو حاصل الآن في أوروبا العلمانية بالكامل. وهذا ما نقصده بوحدة المعرفة. كان يحقّ لرجل الدين آنذاك أن يتدخل فيما لا يعنيه، أي علم الفيزياء والكيمياء والأحياء، وأن يرفض نتائجها أو قوانينها بل ويعاقب مكتشفيها إذا ما وجد أنها تتعارض مع ما جاء في النصوص المقدسة. ومثلما كان المسلمون التقليديون يعتقدون أن كل شيء موجود في القرآن بما في ذلك علم الذرة فإنّ المسيحيين آنذاك كانوا يعتقدون نفس الشيء..

ينبغي أن نعرف أن العلم حتى ذلك الوقت كان يمارس من قبل رجال الدين الحريصين قبل كل شيء على إقامة التوافق بين كتاب الطبيعة وكتاب الوحي. فلا يمكن في رأيهم أن يجيء العلم بشيء يناقض التوراة أو الأناجيل. صحيح أن غاليليو كان مسيحياً كاثوليكياً مثل جميع الإيطاليين. ولكنه كان قبل كل شيء عالم رياضيات وفيزياء وفلك. وكان يمتلك أفكاراً واضحة وعقلانية. وكان يعتقد في قيمة العلم وبالحقيقة الإجبارية للبراهين الرياضية. وفي ذلك الوقت كان يعتقد بضرورة كشف الحقيقة لجميع البشر. ولهذا نشر اكتشافاته باللغة العامية (أي الإيطالية لأن اللغة الفصحى في ذلك الزمان كانت اللاتينية. وكانت الإيطالية محتقرة، ووحدها اللاتينية كانت تحظى بالاحترام لأنها لغة العلماء ورجال الدين والنخبة المثقفة في كل أنحاء أوروبا. بعدئذ سوف تتحول اللاتينية إلى لغة ميتة وتزداد أهمية اللغات القومية كالإيطالية والفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، الخ.. حتى تحل كلياً محلها). إن حداثة غاليليو تتجلى في حرصه على النشر بلغته الأم، أي لغة الناس العاديين والحياة اليومية. وكان يهدف من وراء ذلك إلى أن تصل أفكاره إلى جمهور عريض. وهذا يعاكس موقف المثقفين الآخرين الذين كانوا يقولون بأن الحقيقة ليست للعامة ولا ينبغي أن يطلعوا عليها لأنها تشكل خطراً على عقولهم وقد تسبب متاعب كبيرة للعلماء. وهذا هو موقف ديكارت في الواقع الذي كان يزعجه جداً موقف غاليليو الجريء حدّ التهور. أما ديكارت نفسه فكان حذراً إلى حد الكتمان واستخدام الأسماء المستعارة، ونشر كتبه دون أي توقيع... فالعامة في رأيه تكفيهم المواعظ الدينية ولا داعي لأن يطلعوا على الفلسفة أو على العلوم الرياضية والفيزيائية. وعلى أي حال فهم حتى لو اطلعوا عليها فإنهم لن يفهموها. وأعتقد أن هذا هو أيضا موقف ابن رشد في وقته.

ويرى جورج مينوا أنه تجتمع في غاليليو ثلاث شخصيات: أي غاليليو في حياته الخاصة وتصرفاته مع عائلته وأقاربه، وغاليليو العالم الذي اكتشف بعض القوانين الفيزيائية أو الفلكية، وغاليليو الذي اندلعت الفضيحة الكبرى بسببه عام 1633. فهذه الفضيحة التي شوّهت سمعة الكنيسة الكاثوليكية لقرون عديدة برهنت على شخصية غاليليو أو كشفت لنا عن حقيقتها. وأصبح غاليليو رمزاً إلى حرية التفكير والتعبير، وشهيداً من أجل الحقيقة، ومضطهداً بسبب جرأته وثباته على المبدأ. ولكن قصة غاليليو كشفت أيضاً عن مدى تزمت المسيحيين في ذلك الوقت، أو مدى استبداد كنيستهم وكهنتهم. وقد اعتذر البابا يوحنا بولس الثاني قبل بضع سنوات عن الدور المظلم الذي لعبته الكنيسة آنذاك، وأعاد الاعتبار لغاليليو وأزال عنه تهمة الزندقة أو الانحراف عن الدين. في الواقع إن محاكمة غاليليو (1633)، أي قبل حوالي الأربعمائة سنة إلا قليلاً، كشفت عن حجم التناقض بين العلم والدين، وبخاصة إذا كان التفسير السائد للدين هو ذلك التفسير المتزمت والمنغلق والمتوارث منذ مئات السنين. في الواقع إن المسألة هي مسألة تفسير حرفيّ أو مجازيّ للنصوص المقدسة. فمن الواضح أن هناك آيات كثيرة في هذه النصوص تتحدث عن دوران الشمس حول الأرض وليس العكس. كما تقول إنّ الأرض التي نقف عليها ثابتة لا تتحرك. والواقع أن الملاحظة العيانية المباشرة تؤيد ذلك، أو على الأقل هذا هو إحساسنا. ولكننا لا نعلم ان الحواس قد تخدعنا. يضاف إلى ذلك أن نظرية أرسطو وبطليموس الفلكية تقول نفس الشيء. وكانت معتمدة من قبل الكنيسة بصفتها حقيقة مطلقة لا يرقى إليها الشك. ثم يجيء الآن السيد غاليليو لكي يثبت لنا العكس ويبرهن على صحة نظرية كوبرنيكوس! ما هذا الهراء؟... هكذا ينبغي أن نموضع المناقشة ضمن سياق ذلك الزمان لا ضمن سياقنا نحن، وإلا فلن نفهم شيئاً من شيء. ولكن الأخطر من ذلك هو أن غاليليو راح يتدخل في مجال التفسير الديني، وهو من اختصاص رجال الدين لا من اختصاص الناس الدنيويّين أو العلمانيين من أمثاله. صحيح أنه ولد في عائلة كاثوليكية مسيحية مثل معظم أبناء قومه. ولكنه لم يدخل سلك الرهبنة ولم يكن رجل دين. وبالتالي فلا يحق له أن يتدخل في الشؤون الدينية. وقد نصحه الكثيرون من أصدقائه أن يتحاشى ذلك، وإلا فإنه يعرض نفسه للخطر.

ولكن بما أنه كان جريئاً حدّ التهور وواثقاً من نفسه إلى أبعد الحدود فإنه لم يستمع إلى هذه النصائح. والواقع أن الحلّ الذي قّدّمه لتحاشي التناقض بين العلم والدين كان ذكياً جداً، ويمكن القول بأنه حديث بالمعنى الحرفيّ للكلمة. يقول مثلاً في رسالة مشهورة: إن التمسك بالمعنى الحرفي للتوراة والأناجيل يعرّضنا لمخاطر الزندقة، بل والتجديف والكفر. لماذا؟ لأن نتائج العلم التجريبي تتناقض مع هذا المعنى الحرفي الوارد في الكتب المقدسة. ولذا فإن القصص والصور الواردة فيهما لا ينبغي أن تؤخذ على حرفيتها وإنما كمجازات تصويرية أو تعبيرية يستخدمها الكتاب المقدس لمخاطبة عقول الناس وأفهامهم في تلك الأزمان الغابرة. وبالتالي فكل ما هو وارد في التوراة والإنجيل عن نشأة الخليقة والطبيعة ومظاهرها المتعددة كالبرق والرعد والرياح ينبغي أن نفهمه على أساس أنه مجازات وصور رائعة ليس إلاّ، وليس على أساس أنه حقيقة. وأما بالنسبة لدراسة الطبيعة بشكل علمي دقيق واكتشاف القوانين التي تتحكّم بظواهرها فإن الله وهبنا العقل. والعقل قادر وحده على اكتشاف الحقائق العلمية. وبالتالي فلا ينبغي أن نبحث في الكتب المقدسة عن قوانين الأرض والسماء، ولا عن أسرار علم الفيزياء والكيمياء والرياضيات. وإنما ينبغي أن نبحث فيها عن التربية الأخلاقية والهداية الروحية التي تؤدي بنا إلى النجاة في الدار الآخرة. وهكذا تكون لكتب الدين مهمتها، ولكتب العلم المحض ووصف الطبيعة واستخراج قوانينها مهمتها. ولا ينبغي الخلط بينهما. وهكذا نستطيع أن نتحاشى التناقض أو حتى الصدام المروع بين العلم والإيمان.

كم هو رائع هذا الموقف، وكم هو قوي ! لقد استبق موقفنا الحديث بثلاثة قرون على الأقل. وهذا أكبر دليل على مدى عبقرية غاليليو، وأنه كان سابقاً لعصره وأهل زمنه ككل الرواد الكبار في التاريخ. ثم تجرأ غاليليو على قول ما يلي: إذا ما حصل تناقض بين ما يقوله العلم عن ظواهر الطبيعة وبين ما يقوله النص الديني فإنه لا ينبغي أن نكذّب حقيقة العلم، وإنما ينبغي أن نعيد تأويل النص المقدس نفسه لكي يتوافق مع الحقيقة العلمية. وقد اعتبرت الكنيسة الكاثوليكية هذا الموقف متعجرفاً وغير مقبول. فعلم اللاهوت هو أم العلوم، وكل العلوم الأخرى بما فيها الفلسفة ينبغي أن تكون خادمة له. وبالتالي فلا يحق لأحد مهما علا شأنه أن يقول لرجال الدين كيف ينبغي أن يفهموا النصوص المقدسة أو لا يفهموها. وهكذا أصبحت المواجهة محتومة بين غاليليو والفاتيكان. وكانت النتيجة محاكمته وإدانته ووضعه تحت الإقامة الجبرية لمدة عشرة سنوات: أي حتى وفاته عام 1642 عن عمر يناهز الثامنة والسبعين عاماً. (1564-1642). ولولا خوفهم من الفضيحة لصفّوه جسدياً، ولكن كانت شهرته كبيرة وله صداقات، وبالتالي فقتله يمثل عملية غير مضمونة العواقب. هذه هي قصة غاليليو بعد أن استعرضناها باختصار شديد. والآن ماذا يمكن أن نقول عن صدى هذه المعركة وانعكاساتها على القرون التالية؟ في الواقع إنها شغلت الناس طيلة ثلاثمائة سنة على الأقل وأحرجت الكنيسة ورجال الدين إحراجاً شديداً.

يرى الباحث جورج مينوا في هذا الكتاب الممتع والواضح والمكثّف أن ردود الفعل على محاكمة غاليليو كانت متنوعة. فالكثير من رجال الدين صفَّقوا لهذا القرار الذي اتخذته أعلى هيئة لاهوتية في الفاتيكان. وأما ديكارت الذي كان ينوي نشر كتابه عن وصف العالم الطبيعي والذي يعترف فيه بصحة نظرية كوبرنيكوس فقد سحبه من المطبعة وألقاه في أدراج مكتبه بانتظار أيام أفضل... وأما العالم "غاسَّندي" فقد دافع عن غاليليو عام 1647 قائلاً : "إن هدف الكتابات المقدسة ليس جعل الناس فيزيائيين أو علماء رياضيات، وإنما جعلهم أتقياء ومتديّنين لكي يدخلوا الجنة وينقذوا أرواحهم في الدار الآخرة". وفي عهد نيوتن، أي حوالي 1700، لم يكن هناك أي عالم إلا ويقر بنظرية دوران الأرض حول الشمس. هذا يعني أن غاليليو انتصر بعد موته بحوالي النصف قرن. ومع ذلك فإن جريدة اليسوعيين الفرنسيين (أي الإخوان المسيحيين) ظلت مصرة على القول بأن فرضية كوبرنيكوس وغاليليو خاطئة من أساسها !... ولكن الكنيسة راحت تشعر بمرور الزمن أن موقفها المعادي لتطور العلم أصبح لا يحتمل أكثر فأكثر. فقررت التراجع ولكن ببطء شديد وبنوع من الحذر والسرية كيلا ينكشف تناقضها أو فضيحة محاكمتها لغاليليو. ففي عام 1757، أي بعد مرور أكثر من مائة عام على موت غاليليو، أجاز البابا بينوا الرابع عشر التفسير الرمزي أو المجازي لتلك المقاطع من الكتاب المقدس والتي تتحدث عن دوران الشمس حول الأرض. وفي عام 1893، أي بعد مرور أكثر من قرنين ونصف على موت العالم الكبير، راح البابا ليون الثالث عشر يتخذ موقفاً مطابقاً تماماً لذلك الموقف الذي اتخذه غاليليو وأُدين بسببه. فغاليليو كان قد قال بما معناه: إن الكتاب المقدس (أي التوراة والإنجيل بالنسبة للمسيحيين، أو العهد القديم والعهد الجديد) لا يعلّمنا القوانين الفيزيائية والرياضية التي تتحكَّم بظواهر الطبيعية، وإنما يعلمنا كيف نهذّب أنفسنا ونصفّي قلوبنا ونحظى برضى الله في الدار الآخرة. والكتاب المقدس استخدم اللغة التي كانت شائعة في زمنه لكي يفهمه الناس، وبالتالي فلا ينبغي أن نأخذه على حرفيّته. فهل قال البابا ليون الثالث عشر شيئاً آخر؟ لنستمع إليه: ينبغي أن نعترف بأن نسّاخ الكتاب المقدس يصفون الأشياء أحياناً بطريقة مجازية رمزية، أي طبقاً للغة الشائعة في عصرهم... وبالتالي فينبغي تأويل كلامهم، لا أن نأخذه على حرفيّته الظاهرية. وهكذا نتحاشى التناقض بين العلم والدين...

لقد أحدث غاليليو انقساما داخل الكنيسة المسيحية، أو بالأحرى الكاثوليكية لأن البروتستانتيين كانوا مؤيدين لغاليليو ولتقدم العلم والنظريات الجديدة بشكل عام. والبروتستانتيون هم المذهب الثاني في أوروبا (الأول في أمريكا)، وهم الأعداء الألداء للكاثوليكيين منذ أن كان المصلح الديني الكبير مارتن لوثر قد أعلن الحرب على بابا روما والفاتيكان في القرن السادس عشر. في الواقع إن الكاثوليكيين انقسموا إلى قسمين: قسم متزمت، ومتحجر، ظل متشبثاً بالموقف القديم المعادي لنظرية كوبرنيكوس وغاليليو. وقسم إصلاحي مستنير يقبل بالتطور ويعترف بصحة هذه النظرية المدانة لاهوتياً منذ القرن السابع عشر. وقد ابتدأ التغير في الموقف الجماعي للكنيسة الكاثوليكية عندما انعقد المجمع الكنسي الشهير باسم الفاتيكان الثاني (1962-1965). ومعلوم أنه اتخذ قرارات جريئة واعترف بالاستقلالية الذاتية للعلوم المحضة من فيزيائية وكيميائية وفلكية ورياضية. ودعا رجال الدين إلى عدم التدخل فيما لا يعنيهم، أي في مجالات لا يعرفونها وتخرج عن دائرة اختصاصهم. وأما اللاهوتي الألماني المجدّد هانز كونغ فقد اعتبر أن الكنيسة الكاثوليكية ارتكبت ثلاثة أخطاء كبرى (أو حتى كوارث في تاريخها) وهي: الفتنة الكبرى أي الانشقاق عن الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية، ثم معاداتها للوثر والإصلاح الديني، ثم محاكمتها لغاليليو الذي كان على حق... وبالتالي فعلى الكنيسة أن تكفّر عن ذنوبها...

في ختام كتابه يقدم الباحث جورج مينوا تقييماً عاماً لغاليليو ويقول: ليست الاكتشافات العلمية هي التي صنعت مجد غاليليو وعظمته. فمن وجهة النظر هذه يمكن القول بأن كيبلر ونيوتن كانا أهم منه. ومن الناحية الشخصية أو الإنسانية لا يمكن القول بأنه يجذب التعاطف والمحبة بسهولة. فقد كان جافاً قاسي القلب، وقد أجبر ابنته الصغرى على دخول الدير (أي سلك الراهبات) غصباً عنها. وعانت الكثير بسبب ذلك وجُنّت في نهاية المطاف. ولم يرقّ قلبه لها أبداً، ولم يشفق عليها.. يضاف إلى ذلك أنه كان عنيداً ومتهكماً. وكان كثير الاعتداد بنفسه وينظر إلى الآخرين نظرة احتقار..
ولكن عظمته تكمن في مكان آخر. إنها تكمن في منهجيته العلمية، وفي تصوره العام للعالم، أو في فلسفته إذا شئنا. إن منهجيته تكمن في تطبيق المحاجَّة الرياضية الصارمة على دراسة الظواهر الفيزيائية أو الطبيعية. وكان يعتقد اعتقاداً جازماً بالطابع العقلاني والمتماسك للكون. فالكون بالنسبة له كان عبارة عن آلة ضخمة تشبه الساعة من حيث دقتها. وكان يعتقد بأن حركة الكون أو آليّاته مسيَّرة من قبل قوانين رياضية لا تعرف الخطأ، ولا المعجزات، ولا أي تدخل للقوى الغيبية. وكان يرى أيضاً أن الاكتشاف التدريجي لهذه القوانين هو هدف العلم الذي يلتحق عن طريق العقل بالحكمة الإلهية المدبِّرة لجميع شؤون الكون. بهذا المعنى فإن غاليليو هو الأخ الروحي لديكارت. إنهما أستاذا الغرب دون منازع لأنهما قدما له منهجيته العقلانية التي جعلته يتقدم ويتفوق على جميع شعوب الأرض.